|
المناضل منذ نعومة أظفاره. الطبيب الذي تشهد طرابلس على عطاءاته. النائب الذي «كسر» حصرية النيابة في عاصمة الشمال.
البعثي العنيد الذي لم يتمكن المرض وتقدمه بالسن من ان يؤخرا مسيرته في خدمة مدينته ووطنه وأمته العربية وفي مقدمها قضية فلسطين.
لقد كانت الرحلة مع تاريخ د. عبدالمجيد الرافعي رحلة ممتعة مليئة بالحقائق والمحطات الوطنية والقومية. وهنا أبرز ما قاله د. الرافعي:
الولادة في نيسان 1927
وُلِدْتُ في 11 نيسان 1927، في أول طلعة الرفاعية في طرابلس، من أبوين مؤمنين.
الوالد هو الشيخ محمد الطيب الرافعي الذي كان يعتمر اللفّة لا لأنه يدرّس الدين، ولكن للتقوى.
والوالدة هي إبنة الشيخ كامل الميقاتي أمين الفتوى في طرابلس، وفي بيئة إجتماعية متدينة إنما غير طائفية فقد كانت:
السيدة اسما معوض تجلس في صدر صالة بيتنا.
وكان السيد كاملة من القبة شريك الوالد في «مكبس الزيتون».
وكان طنسا الحدشيتي معاون الوالد الدائم في بستان الليمون الذي يملكه...الخ.
بشكل عام المواقف هي مواقف وطنية لا طائفية وما يؤكد ذلك الموقف من الانتداب الفرنسي، في ذلك الوقت.
في الرابعة من العمر
وعيت في طفولتي عندما كنت في الرابعة من عمري، حيث كان والدي يؤدي الصلوات الخمس في المسجد، أو في القرطائية، فكنت «أتسلط» عليه نهاراً كي يأخذني معه إلى المسجد، وكنت أرى الناس.
وفي إحدى المرات تشاجر شابان مع بعضهما وكنت أمر قربهما فدفعاني فوقعت وكسرت رجلي وأحضر «مجبر عربي» لا زلت أتذكر كيف أوتي بوعاء فيه ماء وخلط معه طحيناً وبيضاً، فصرخت.
وقلت:
ماذا تريدون أن تفعلوا بي؟
فقال لي:
لا تخف هذا البيض أريد أكله، كسر بيضة ثم أكل صفارها، ووضع البياض مع الطحين، وقام بتجبير رجلي.
في المدرسة لأول مرة
القصة الثانية التي لا زلت أتذكرها، عندما ذهبت، لأول مرة، إلى المدرسة وكنت في الخامسة من عمري، ولما تركني والدي وذهب صرت أبكي، قام الناظر الشيخ لبيب مراد وهدأ من روعي».
إضراب الأربعين يوماً
تابع د. الرافعي: «في التاسعة من عمري كانت التظاهرات وإضراب الأربعين يوماً في طرابلس عام 1936.
شاهدت التظاهرات، وسمعت الهتافات ضد الفرنسيين والمطالبة بالوحدة مع سوريا.
كما لا زلت أذكر - في نفس السن -مسألة لا أنساها حتى اليوم، إذ كنت مع والدي نسير إلى بيت جدي في «الحدادين» حيث شاهدت صوراً لرجل باللباس العسكري معلقة في بعض المحلات.
فسألت والدي عن صاحب هذه الصورة. فقال لي:
هذا فوزي القاوقجي.
سألته: لماذا يضعون صوره في كل مكان؟
قال: هذا الذي يصحب ويقود الشباب المتطوعين للقتال في فلسطين ضد الانكليز واليهود.
وهكذا وعيت على ان هناك قضية إسمها قضية فلسطين وأنها قضية قومية عربية».
مشاركاً في التظاهرات
وتابع د. الرافعي:
«في عمر الصبا كنت أشارك بالتظاهرات، منها الداعمة لثورة رشيد علي الكيلاني والضباط الأحرار في العراق سنة 1491، والتظاهرات المطالبة بالخبز الصالح للأكل في عامي 1941 و1942.
وكانت الهتافات: «خبز معفن ما مناكل... بدنا قمح بلادنا»، فاستجابت - بعد هذه التظاهرات - اللجنة الخاصة بالغذاء للمطالب.
وأهم تظاهرة شاركت فيها هي تظاهرة الإستقلال الأولى، عندما اعتقلت السلطات الفرنسية الرئيس بشارة الخوري ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح ورئيس مجلس النواب عادل عسيران والزعيم عبدالحميد كرامي وسليم تقلا.
كانت تظاهرة شعبية ضخمة جداً إنطلقت من أمام المسجد المنصوري الكبير إلى مركز إقامة «ميشن» (البعثة البريطانية) في شارع الجميزات، حيث خطب بالمتظاهرين المرحوم عبدالله عدرة مطالباً بالإفراج عن القادة الوطنيين.
يوم المجزرة التي ارتكبها الفرنسيون
في اليوم التالي قلنا ان علينا كطلاب واجب وطني فاجتمعنا في «مسجد طينال»، وانطلقنا لإغلاق بعض المدارس ومنها «مدرسة الفرير» حيث قمنا بدق الأبواب المغلقة مرددين الهتافات المطالبة باشتراك طلابها بالتظاهرة، فخرج بعضهم وإلتحق بالتظاهرة ضد الفرنسيين.
من بينهم الرئيس المرحوم أمين الحافظ والمرحوم الأستاذ مصطفى أسطة. وقد تركا، بعدها، «الفرير» وإلتحقا بمدرسة «كلية التربية والتعليم الإسلامية».
وهتفنا لتسقط فرنسا وليسقط الإستعمار
خلال التظاهرة مررنا بالتبانة فشاهدنا عدة شاحنات محملة بالجنود الفرنسيين والسنغاليين، صرنا نهتف:«تسقط فرنسا»، «يسقط الإنتداب»، «يسقط الإستعمار».
وتابعنا باتجاه طريق الميناء، وهناك شاهدنا ثلاث دبابات صغيرة، يقودها جنود من ذوي البشرة السوداء وإلى جانب كل سائق يقف ضابط أشقر اللون، ومعهما جنود سنغاليون.
وأعطى الضابط الأمر بإطلاق النار ودهس المتظاهرين
وإذا بالضابط بداية الأمر يشير بيديه لتخفيف السرعة عند الدخول بين المتظاهرين، وحين صاروا وسط المتظاهرين، على مقربة مني، أعطى إشارة بدهس المتظاهرين وبإطلاق النار من قبل الجنود.
وكنت شابكاً ذراعي بذراع ابن صفّي وصديقي المرحوم أمين هاجر، الذي أصيب بجروح بليغة في ذراعه وساعده، وقد عطّر دمه كتبي وثيابي، وأوصلناه إلى المستشفى.
وكنت قد شاهدت ولداً تحت الدبابة الأولى، وفتى مرت فوقه الدبابة الثانية فمزقت ثيابه لكنه خرج سليماً.
وبعد أيام إبيضّ شعر هذا الفتى (إسمه أحمد ظافر الخطيب)».
مرحلة الشباب والنضوج
وتابع د. الرافعي: «كان ذلك في مرحلة الصبا، أما في مرحلة الشباب فقد تغير نوع الحياة، والوعي صار أكثر نضوجاً، حيث تعمقت الصداقات بين الشباب وتجذرت مع بعضهم.
رحلة إلى سوريا
في ذلك الحين نُظِّمَت رحلة إلى سوريا، كانت الوحيدة لطلاب الكلية، حيث زرنا: حمص، حماة، حلب، اللاذقية، وكان أهمها في حلب (المدرسة، دار المعلمين، القلعة...).
وإلى مصر عبر فلسطين
نجحت في شهادة البكالوريا - القسم الثاني وكنت من بين الخمسة الأوائل، يومها كان المرحوم الشيخ عاصم رضا - إبن عم الشيخ رشيد رضا - وله صداقات فاعلة في مصر فأمّن لخريجي الكلية عشر منح دراسية، ولأني كنت من الأوائل في شهادة الفلسفة حصلت على منحة، وقيل لي يجب ان أذهب إلى مصر، وما بين الإستعدادات والحصول على تأشيرة سفر إلى مصر بلغنا أواخر شهر تشرين الثاني، فذهبنا إلى مصر براً عبر فلسطين التي رأيتها لأول مرة.
وتبين لي أنني مقبول في كلية التجارة العليا بالاسكندرية. فقلت لهم أنني أريد الالتحاق بكلية الطب.
حصلت مساعي في القاهرة بهذا الخصوص، ثم قيل لي ان اذهب إلى الإسكندرية التي فيها شيخ يعرفه الشيخ عبدالرحمن عاصم رضا، وفعلاً ذهبت إليه وأرسلني إلى عميد الكلية الذي قال لي: «مالها التجارة يا رافعي».
فقلت له أنني أريد دراسة الطب.
فذكر لي أنني جئت متأخراً ولا مجال لدخول كلية الطب، فعدت إلى لبنان».
إلى سويسرا بدلاً من فرنسا
وتابع: «كان لي بعض الأصدقاء الذين أنهوا دراسة السنة الأولى بالطب في دمشق، وقرروا الذهاب إلى سويسرا منهم د. عبدالكريم العلايلي ود. زهير تميم.
وبالنسبة لي، لتحقيق هدفي، تقدمت مع بعض الأصدقاء بطلبات السفر إلى فرنسا، كنت أرغب بالذهاب إلى «ليون»، وبسبب خطأ في العنوان جاء القبول في سويسرا.
قلت لوالدي أني سأتعاقد للتدريس في مدرسة أو مدرستين لتأمين نفقات السفر لدراسة الطب في سويسرا حيث أن الحرب أوجعتنا مالياً كثيراً لأن والدي كان يملك بستان برتقال و«يضمن» بعض البساتين أحياناً وكان متضايقاً أثناء الحرب، فقال لي: «لو بدي بيع تيابي بدك تدرس، وتحديداً الطب الذي إخترته».
وهكذا كان فسافرت إلى سويسرا التي وصلتها في 6/11/1946».
في سويسرا الإهتمامات الوطنية وبالموسيقى الكلاسيكية
وعن وجوده في سويسرا قال طبيب الشعب د. عبدالمجيد الرافعي:
«تعرفت إلى وجوه عديدة أكثرها من العراق وسوريا وبعض الفلسطينيين والأردنيين والمصريين.
وبدأت اهتماماتي الوطنية من جهة والموسيقية الكلاسيكية التي لم تكن واردة لدي من جهة ثانية.
وتعرفت إلى أصدقاء يهتمون بالموسيقى، وصرنا نسمع لموسيقيين مثل «شوبان» و«بتهوفن»، من كبار العازفين العالميين آنذاك.
وكان لدي توق لرؤية بعض مشاهير قادة فرق الأوكسترا منهم قائد أوركسترا برلين «فورتفنفلر» وفيينا «فون كارايان».
كان ذلك جديداً بالنسبة لي حيث كنت معتاداً على سماع أم كلثوم وعبدالوهاب.
... والرياضية
كما إستمتعت برياضة «الهوكي على الجليد» التي لم أكن أعرفها من قبل، وقد صادف عام 1948 إقامة «الأولمبياد الشتوي» في سويسرا بمشاركة فرق من مختلف دول العالم» مما أتاح لنا أن نشاهد أهم مباريات الألمبياد.
رفض قرار تقسيم فلسطين وتأسيس «رابطة الطلبة العرب»
أضاف: «في تلك الفترة سمعنا بقرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني 1947، تداولنا في الأمر وقررنا أن يكتب كل واحد منا على اللوح في صفه «الرجاء من كل من يهتم بقضايا وطنه وفلسطين ان يحضر إلى مقهى «كافيه فودوا» يوم السبت»، وبالفعل إجتمعنا 55 فرداً وقررنا إنشاء «رابطة الطلبة العرب في لوزان»،أهدافها وطنية وثقافية وإجتماعية ورياضية.
وصرنا نشرح القضية الفلسطينية والعدوان على الأمة العربية للزملاء في المؤسسات الطلابية الجامعية ولكل من نلتقيه في الندوات العامة، إلى جانب الاهتمام بالموسيقى من خلال لقاءات اسبوعية، وتنظيم رحلات. وقد بذلنا جهداً كبيراً في شرح وتوضيح ما حصل عام 1948 (نكبة فلسطين)، كما علمنا بوجود أعداد كبيرة من النازحين، فقمنا بحملة جمع أدوية من الشركات السويسرية وإرسالها إلى المحتاجين، وإلى جانب هذا النشاط القومي والوطني قمنا في المجال الرياضي بتشكيل فريق لكرة: القدم والطائرة والسلة، وإحتفظ فريقنا بكأس البطولة لكرة السلة ثلاث سنوات متتالية»
(في الاسبوع المقبل: حلقة ثانية)
خضر السبعين/التمدن
