كل من يستمع إلى احاديث الصالونات السياسية في طرابلس يخرج بإنطباع سريع بأن مرحلة "الصمت السياسي" على تصعيد الوزير أشرف ريفي شارفت على اﻹنقضاء، خصوصا في ظل جملة الردود القاسية التي إنهالت عليه في عاصمة الشمال، وكان اﻻبرز منها ردّ من النائبين محمد كبارة وسمير الجسر، كما الوزير فيصل كرامي، فأتت في سياق ما سبّبه تطاول ريفي، وتجاوزت في الشكل تلمحيات الرئيس نجيب ميقاتي المبطنة، أو ديبلوماسية الوزير محمد الصفدي، وسط أسئلة كثيرة عن معنى فتح النار على كل الجبهات في طرابلس من دون إحتساب القدرة على صد الهجمات المرتدة.
لذلك تنشغل الصالونات لقوى متجذرة بالعمل السياسي والخدماتي بقياس حجم ريفي في طرابلس ووضعيته ضمن صراعه الدائر مع بيئته السياسية من أجل القبض على قاعدة تيار"المستقبل" الشعبية، إستعدادا ﻹستثمارها وتوظيفها سياسيًا في الحكم وتأسيس منظومة نفوذ داخل الدولة.
نقطة إرتكاز هجوم ريفي على كل "المحاور السياسية" إدعاؤه زيادة في فائض قوته سياسيًا في المدينة، بل تمدده خارج طرابلس، و إصراره على مقارعة تيار "المستقبل" في كل لبنان وإستثناء صيدا تقديرا للنائب بهية الحريري، فتتفاوت التقديرات حول صوابية هذه القراءة بين النفي الشامل لوجود ثقل شعبي يتكىء عليه ريفي، وبين اﻹقراربحيثيته الخاصة بفعل إنتهاجه الخطاب المتطرف من دون إحتساب أمر بغاية اﻻهمية، كون السياسة اللبنانية قائمة على البراعة في رسم سقف للهجوم السياسي كما عقد التسويات في اللحظة المناسبة. أمّا غير ذلك فيعتبر نوعًا من المراهقة السياسية ﻻ يرتجى منها نجاح أو تطور.
يهمس أحد نواب طرابلس بأن الصمت المطبق كان أسلوبًا خاطئًا مع ريفي، وما عادت مجديةً إدارة الظهر على تهجماته، و تساءل في هذا اﻻطار عن حجم القوة الفائضة عند ريفي طالما أن عمل المجلس البلدي الذي ظفر بغالبيته المطلقة لا يوحي حتى الساعة بقدرته على اﻻنتاجية، مع أن هذا الحديث يُعتبر سابقًا لآوانه، علمًا أن ثمةتململًا شعبيًا بدأ يتنامى، مع ما يرافقه من بعض الشكوى من قبل بعض الشرائح الشعبية المؤيدة التي ترى أن المجلس الحالي لن يرتجى منه خيرٌ، الأمر الذي سينعكس مع مرور الوقت على رصيد ريفي شعبيًا بينما هو يتوعد الجميع في الميدان اﻻنتخابي.
أكثر من ذلك، يتساءل النائب عن قدرة ريفي مهما بلغت درجة دعمه سياسيًا وماليًا على إلحاق هزيمة إنتخابية نكراء، وبالتالي قدرته على شطب الجميع من المعادلة السياسية في طرابلس، وبالتالي كيفية تأمين قاعدة شعبية ثابتة لتشكل منطلقًا نحو طموحاته السياسية الواسعة؟
يدأب ريفي على تقديم نفسه سياسيًا كونه يمتلك هوامش متفلتة من كل الحسابات أو الضوابط، ويبدي إصرارًا على خوض معارك طواحين هواء دفعة واحدة، في مدينته يعادي فيها كل القوى، ويفترض أنه أقوى منهم جميعًا، فيواظب على حدة اﻻشتباك مع "حزب الله"، ويمانع وصول العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة.
في المقابل، ومن منظور سياسي بحت ﻻ يكبّد ريفي نفسه عناء طرح بدائل أو حلول، فتقفز اﻻسئلة البديهية عن مدى إعتماد المملكة العربية السعودية لريفي في لبنان، كما لقدراته العابرة للمناطق كما يحلو لفريقه السياسي التلميح إليه دائما، أو مدى إمكانياته في قيادة مشروع سياسي داعم لخط السعودية في مواجهة إيران و سوريا و "حزب الله"، مع ما يعني كل هذا عن اﻻستغناء السعودي الكامل عن تيار "المسقبل" .
كل هذه التحديات تتطلب من ريفي تقديم براهين واضحة لم يقدمها حتى الآن، وسياسيًا ﻻ يمكن الركون إلى فكرة التبني السعودي كحقيقة مثبتة طالما لم يحظ ريفي بمواقف سعودية داعمة أو حتى بث إشارة بهذا الخصوص، علمًا أنه بات واضحًا أن المملكة ﻻ تبدي حاليا إهتماما بالشأن اللبناني .
بالخلاصة، تنتظر ريفي مطبات ومعوقات كثيرة تذخر بها الساحة السياسة اللبنانية، كما أن بناء زعامة شعبية في طرابلس يفترض بصاحبها تقديم تضحيات كثيرة وعديدة لا يمكن بلوغها لمجرد تنظيم مهرجانات سياحية على أهميتها للمدينة وأهلها. فللمدينة قضاياها المزمنة ومطالبها المحقة التي تتخطى الطموحات السياسية الجامحة.
