السيد أحمد وضحى - طرابلس العظيمة:
طرابلس الفيحاء / حكاية مدينة / بائع الجلاب
مع نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن المنصرم ، كانت حال الكهرباء في طرابلس الفيحاء كحالها اليوم في شحها وانقطاعها الدائم وعدم إنتظامها ، خاصة في أيام الشتاء . لذا كنا نقتني في بيتنا بعضاً من الشموع وعدداً من قناديل الكاز التي كنا ننجز دروسنا ليلاً على ضوئها .
ولكن في إجازات الصيف المدرسية لم يكن من حاجة ملحة لانتظام الكهرباء رغم حر الصيف لأنه لم يكن لدينا ، في منزلنا الحجري القديم في المدينة القديمه بسقفه العالي ، من براد أو مكيف هواء سوى مروحة كهربائية واحدة وعدداً من مراوح القش ، إذ كانت فسحات البلاط الخمس الواسعة الموزعة عند مدخل البيت وأطرافه مع بركة ماء تخفف من وطأة الحر عدا حديقة تابعة له ، إلا أنها لم تكن كافية بالنسبة لي ، إذ كنت أسعى للتبرد بالمثلجات حيث كنت أنتظر بفارغ الصبر مرور بائع الجلاب بجانب بيتنا في شارع الحته وهو ينادي على بضاعته : "جلاّب .. جلاّب.. تعا بورد" .
هذه المناداة كانت تقتلعني من فسحة البلاط الواسع عند مدخل البيت حيث ألعب ولم أتعد العاشرة من العمر لأندفع مسرعاً أختصر بقفزات واسعة درج البيت وكأني في سباق مع الريح وبيدى كوب من الزجاج وبجيبي فرنكاً واحداً أعطيه للبائع ليتناول الكوب مني ويبدأ ببرش الثلج من قالب على عربته بواسطة مبرشة من الحديد منتفخة أشبه بعلبة مستطيلة مشطوفة الجانب منحنية ، التي ماأن تمتلىء حتى يفرغها في الكوب ثم يسكب شراب الجلاب فوقها بواسطة كفكيرة من داخل قطرميز على العربة ، ثم ليأخذ بتحريك محتوى الكوب بيد الكفكيرة أوبملعقة لمزج الخليط وتزيينه ليدفعه إلي بعد أن يزينه ببعض حبات الصنوبر البلدي التي تزيد من لذة مذاقه وطيبة طعمه .
وشراب الجلاب عبارة عن دبس العنب أو التمر العراقي أو الخرنوب ، يؤخذ منه ويُذوّب في الماء ثم يضاف إليه " البخورة " التي تُشترى من محلات العطارة ( وهي معطر سائل تصنع من مزيج متنوع من البخور والعود والعنبر والمسكة وماء الورد وماء الزهروأصناف أخرى بنسب معينة ؛ وصناعتها ونسب محتوياتها وخلطاتها تعتبر من الأسرار الصناعية التي تنقل بالوراثة من قبل صاحبها ولايعلِّمُها لأحد سوى لأولاده أو من هو موضع ثقته من معاونيه نظراً لغلاء أسعارها كمصدر دخل عال من المال إذ تباع بالغرامات . وقد اشتهر بصناعتها في طرابلس الحاج كامل مسقاوي الذي كان يعدها في محل له نهاية سوق العطارين ، عند بداية كل شهر حيث يغلق على نفسه باب محله الخشبي ليبدأ بإعداد "البخورة " بطبخها على نار هادئة في قدر نحاسي كبير بحيث يفوح عطرها ويملأ أجواء السوق ليومين أو ثلاثة ، ولها إستعمالات متعددة خاصة في صناعة الصابون البلدي لتعطيره ) .
وإلى جانب الجلاّب كان هناك أصنافاً أخرى من الشراب ، كالسوس الذي يتميز طعمه بالمرورة الخفيفة ويباع من وعاء نحاسي مُبيّض أشبه بالصندوق المقوس يحمله صاحبه على ظهره وتمتد منه حنفية لصب السوس في كأس نحاسي ، ومن ثم تطور الأمر إلى كوب زجاجي وبالتالي إلى كوب بلاستيكي كما هو حالياً ليرمى بعد الإنتهاء منه . والمناداة على شراب السوس كانت تتم من البائع بلحن موسيقي من صحنين نحاسيين صغيرين يحملهما بيد واحدة ويطرطق بهما فيُسمع عن بعد لتأتي إليه الزبائن أو تنتظر وصوله إليها لتشتري حاجتها .
وإلى جانب الجلاب كان هناك شراب الخرنوب الذي يزيد الإقبال عليه خلال شهر رمضان المبارك وأشهر موقع له عند السراي العتيقة وكان يباع الكوب منه بفرنك واحد ، وقد توراث الأبناء والأحفاد هذا الموقع الذي لايزال قائماً حتى الآن . ومن أنواع الشراب أيضاً التمر هندي الذي كان الأعلى رواجاً بعد الجلاب والخرنوب ؛ وأشهر من صنعه رجل في زمن الخمسينات وبداية الستينات يلقب ب"الشلابيك" ، وقد حمل هذا اللقب لأنه كان كثير المزاح وصاحب شلوات أي مقالب مضحكة . وكان مصنعه ومسكنه في آن معاً يقع في غرفة صغيرة من الجانب الخلفي للجامع الكبير المجاور للباب الرئيس لجامع قرطائي بك . وكان يعرض شرابه في سطل من التوتياء المجلفن الأبيض اللمّاع وله غطاء من الزجاج بسعة عشرون ليتراً تقريباً يجول به في السوق مع سطل آخر يغلب عليه الثلج ، وكان سعر الكوب الواحد عشرة قروش أي فرنكين .
كما كان هناك أنواعاً أخرى من الشراب المبرد كالعجوة ، وهو مزيج من الحليب والسكر وبعض مسحوق اللوز وعجوة المشمش المرّة ،ومن هنا اكتسب أسمه ، مما يكسبه طعماً لذيذاً ، كما وشراب الليموناضة وهو مزيج من الماء وعصير الحامض الممزوج بالسكر وقليل من ماء الزهر ، وأيضاً شراب التوت .
إلا أن أشهر باعة شراب الجلاب والليموناضة والتوت كان يقع في منطقة التل عند بسطة في مدخل لفسحة تقع بين مبنيين بجانب سينما الدنيا ، حيث كانت الناس تتجمع خلال الصيف لتنتظر دورها للحصول على كوب من الجلاب أو التوت المثلج مع ملعقة سخية من الصنوبر ترش عليه ،إلا أن هذه البسطة قد أقفلت بصورة نهائية منتصف السبعينات من القرن الماضي ربما لهجرة صاحبها وعائلته للخارج بسبب تداعيات حرب السنتين حيث سهلت إستراليا الهجرة إليها في حينه لمن يشاء ، وقد غادر العديد من العائلات الطرابلسية هرباً من الحرب ، لتغادر معهم هذه الأيدي الماهرة والأنواع اللذيذة من الشرابات الصحية المصنوعة باحتراف ليحل محلها المشروبات الغازية وشراب الطاقة المتعدد الأنواع والأشكال .
الخميس، 28 يوليو 2016
- تعليقات بلوجر
- تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: السيد أحمد وضحى - طرابلس العظيمة:
طرابلس الفيحاء / حكاية مدينة / بائع الجلاب
مع نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن المنصرم ، كانت حال الكهرباء في طرابلس الفيحاء كحالها اليوم في شحها وانقطاعها الدائم وعدم إنتظامها ، خاصة في أيام الشتاء . لذا كنا نقتني في بيتنا بعضاً من الشموع وعدداً من قناديل الكاز التي كنا ننجز دروسنا ليلاً على ضوئها
Rating: 5
Reviewed By: Unknown